الرئيسية » قصص انسانية »
22 كانون الثاني 2026

لم يكن يعرف محمد الأرقام ولا الألوان… حتى رآها في عيون من آمنوا به

الهلال الأحمر الفلسطيني

من رحم المعاناة، وبإرادة لا تلين، يواصل برنامج الإثراء المنزلي التابع لدائرة التأهيل في الهلال الأحمر الفلسطيني صناعة قصص نجاح حقيقية، تضيء دروب الأمل للأطفال ذوي الإعاقة وأسرهم.
وهذه المرة، تروي لنا والدة الطفل محمد تامر أشقر من بلدة صيدا – قضاء طولكرم، فصول قصة إنسانية ملهمة، كان عنوانها الإصرار، وبطلها طفل تحدّى العزلة وفتح باب الإبداع.

تقول والدة محمد:

"أنا أم محمد، ابني الثالث بين إخوته، نعيش في بيت العائلة مع الجد والجدة والعمة. منذ ولادته لاحظ الأطباء أن محيط رأسه صغير، وأخبرونا أنه قد لا يكون مثل أقرانه في النمو والتعلّم. كانت كلماتهم قاسية، لكننا لم نفقد الأمل."

وتضيف مستذكرة سنوات طويلة من المحاولات:

"أدخلناه الروضة ثم المدرسة، وراجعنا مراكز عديدة دون نتيجة تُذكر، إلى أن التحقنا ببرنامج الإثراء المنزلي التابع للهلال الأحمر الفلسطيني، وهناك بدأت قصتنا الحقيقية، بإشراف عاملة التأهيل نجاة بشارة، والمتطوعات نجيبة سنجق ونعمه حمد."

وتتابع الأم بفخر واضح:

"محمد لم يكن يعرف الحروف ولا الأرقام ولا الألوان، لكن مع بداية البرنامج بدأ يتعلّم خطوة بخطوة. رغم أنه في الصف السادس، تغيّرت قدرته على التفاعل كثيرًا، وأصبح يحب الدراسة ويطلب مني أن أدرّسه. أنا كأم تعلمت كيف أتعامل معه وأساعده، والحمد لله أصبح لديه حب للتعلّم وحماس لكل نشاط جديد.

دعم نفسي للأسرة… وتمكين للأم

لم يقتصر أثر البرنامج على الطفل فقط، بل امتد ليشمل الأمهات أيضًا.
تقول الأم بامتنان:

"الجميل في البرنامج أنه يهتم بالأم والطفل معًا. جلسات التفريغ النفسي مع الأخصائية ريما كانت متنفسًا حقيقيًا لنا، تعلمنا كيف نعبّر عن ضغوطنا ونستمد القوة من شكر الله. حتى الكلمات البسيطة كانت تعيد إلينا طاقتنا."

محطات فرح لا تُنسى

وتصف الأم الأنشطة الترفيهية قائلة:

"محمد كان يفرح كثيرًا بالمخيمات، والألعاب، وأعياد الميلاد، والزيارات. أكثر لحظة أثرت فيّ كانت عندما ركب الخيل، ولن أنسى فرحته بلبسة العيد وشعوره بأنه طفل طبيعي بين أصدقائه."

من الخوف إلى الثقة

وتضيف بفخر:

"قبل البرنامج كان محمد يخاف الخروج من البيت، واليوم أصبح شجاعًا، يلعب كرة القدم، ويقود الدراجة، ويصلي كل الصلوات في المسجد. الأخصائية نجاة زارت مدرسته وشكلت له لجنة صداقة، وأصبح محبوبًا من الجميع، حتى في الرياضة بات يشارك بعد أن كان يجلس وحيدًا."

شهادة المدرسة

ويؤكد هذا التحوّل الأستاذ مؤمن سعيد أفسيسي، معلم التربية الرياضية في مدرسة ذكور صيدا الثانوية، قائلًا:

"درّست محمد عندما كان في الصف الخامس، وكان طفلًا خجولًا وانطوائيًا. بعد التعاون مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وقسم الإثراء المنزلي، تم وضع برنامج تدريبي مكثف له. خلال فترة قصيرة لاحظت تغيرًا كبيرًا في سلوكه، وأصبح يشارك بثقة وسعادة. تجربة إنسانية ناجحة بكل المقاييس."

فخر العائلة

وتشارك الجدة والعمة مشاعر الفخر قائلتين:

"كنا نراه منطويًا، واليوم أصبح اجتماعيًا ومهذبًا، يشكر جدته، ويحدثنا عن كل ما يفعله في المدرسة والمركز."

أما والده فيختصر التغيير بكلمات مؤثرة:

"محمد أصبح يعتمد على نفسه في كل شيء، يتعلم، ينظف، ويهتم بنفسه. شكرًا للأخصائية نجاة ولكل الفريق، لقد غيّرتم حياة ابننا."

كلمة شكر

وتختم الأم حديثها بامتنان عميق:

"برنامج الإثراء المنزلي كان نقطة تحوّل في حياتنا، لن ننسى جهودكم واهتمامكم بأطفالنا وأمهاتهم. نتمنى استمرار هذا البرنامج لأنه يصنع قصص نجاح حقيقية."

إحصائيات الإعاقة

تشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة الأطفال تحت 18 سنة بين ذوي الإعاقة تصل إلى حوالي 20% من الإجمالي، ما يبرز أهمية البرامج التعليمية والتأهيلية المنزلية مثل برنامج الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يقدّم خدمات متكاملة للأطفال وأسرهم.

ختاماً

يواصل الهلال الأحمر الفلسطيني تنفيذ برنامج الإثراء المنزلي ضمن جهوده الدائمة لدعم وتمكين الأطفال ذوي الإعاقة وأسرهم، من خلال تعزيز مهارات التعلّم والتأهيل، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وبناء بيئة أسرية آمنة ومحفّزة للنمو.

قصة محمد ليست استثناءً، بل دليل حيّ على أن الإصرار، والرعاية، والعمل الإنساني الصادق، قادرون على تحويل التحديات إلى إنجازات، وزرع الأمل في كل بيت فلسطيني.