تحقيق دولي يكشف الكمين: ألف رصاصة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أنهت حياة 15 من العاملين الإنسانيين في جنوب غزة

كشفت نتائج التحقيق الدولي المستقل، الذي نُشرت خلاصته يوم الإثنين الموافق 24/2/2026، والمتعلق باستشهاد 15 من العاملين الإنسانيين في جنوب قطاع غزة بتاريخ 23 مارس/آذار 2025، والذي أجرته منظمتَي Forensic Architecture وEarshot، حيث كشف عن تفاصيل دقيقة حول استهداف قافلة إسعاف تابعة للجمعية والدفاع المدني في منطقة تل السلطان شمال رفح، وتعرّضها لإطلاق كثيف ومباشر للنيران.
وبيّنت نتائج التحقيق أن جنود الاحتلال الإسرائيلي أطلقوا قرابة ألف رصاصة باتجاه القافلة، بينها ما لا يقل عن ثماني رصاصات من مسافات قريبة جدًا تراوحت في إحدى الحالات بين متر وأربعة أمتار، فيما استمر إطلاق النار لأكثر من ساعتين متواصلتين، دون وجود أي تهديد أو تبادل لإطلاق النار، في حادثة تشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني واستهدافًا مباشرًا لعمل إنساني محمي.
يُذكر أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني قد شاركت بفاعلية في هذا التحقيق من خلال تزويد فريقه بكافة المواد التوثيقية والأرشيفية المتوفرة لديها، بما في ذلك التسجيلات الميدانية، وسجلات الاتصالات، وإحداثيات التحرك، وشهادات الطواقم، وذلك في إطار مطالبتها الواضحة بتحقيق العدالة والمساءلة الدولية عن استشهاد مسعفيها، وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي طالت الطواقم الإنسانية أثناء أداء واجبها الإنساني.
استهداف مباشر لقافلة إنسانية
وبحسب ملخص التقرير، كانت القافلة تتحرك في مركبات إنسانية تحمل شارات واضحة وأضواء طوارئ مفعّلة، وضمت الضحايا ثمانية من طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، وستة من عناصر الدفاع المدني، وموظفًا في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وذلك ضمن مئات العاملين الإنسانيين الذين قُتلوا في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 370 من موظفي الوكالة.
وأكد التحقيق أن قوات الاحتلال نصبت كمينًا للقافلة وأطلقت النار على مركباتها بشكل مكثف، موثقًا استمرار إطلاق النار من الساعة 5:09 وحتى 7:13 صباحًا، مع تسجيل ما لا يقل عن 910 طلقات نارية، بينها 844 خلال خمس دقائق ونصف فقط.

تفنيد الرواية الإسرائيلية
وأشار الهلال الأحمر إلى أن نتائج التحقيق فنّدت الرواية الإسرائيلية التي ادّعت أن مركبات “غير مميزة” تقدّمت بشكل مريب من دون أضواء أو إشارات طوارئ، وزعمت أن تسعة من أفراد الطواقم “عناصر من حماس والجهاد الإسلامي” دون تقديم أدلة. وأظهر تسجيل مصوّر التقطه أحد المسعفين قبل استشهاده أن سيارات الإسعاف كانت تسير بأضوائها وصفاراتها بشكل واضح لحظة استهدافها.
كما أثارت التناقضات في الرواية الرسمية ردود فعل دولية غاضبة، حيث وُصفت بأنها “غير صحيحة بوضوح”، في إشارة إلى ما نقلته تقارير إعلامية دولية.
مؤشرات على إعدامات ميدانية وطمس للأدلة
ووفق ما ورد في التحقيق، أفادت مصادر محلية بأن بعض الضحايا نجوا من الهجوم الأولي قبل تقييدهم وإعدامهم ميدانيًا ودفنهم مع مركباتهم المدمّرة. وأكد الناجيان منذر عابد وأسعد النصاصرة أن الجنود أطلقوا النار فور خروج المسعفين من مركباتهم واقترابهم سيرًا من إحدى سيارات الإسعاف.
كما أظهرت تقارير التشريح إصابات في الرأس والصدر من مسافات قريبة “تدل على نمط إعدام”، مع العثور على إحدى الجثث مقطوعة الرأس، وتلقي أقل الضحايا إصابةً ما لا يقل عن 20 رصاصة.
اعتقال وتعذيب وغياب للمساءلة
وتطرّق البيان إلى اعتقال الناجي أسعد النصاصرة ونقله إلى معتقل سديه تيمان في صحراء النقب، حيث احتُجز لمدة 37 يومًا وتعرّض للتعذيب، فيما أفاد الناجي منذر عابد بأنه جُرّد من ملابسه وتعرّض للضرب والتهديد بالقتل قبل الإفراج عنه.
وأشار إلى أن الرواية الإسرائيلية تبدّلت عدة مرات عقب اكتشاف المقبرة الجماعية، وسط اتهامات بالعبث بالأدلة وإخفائها، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية.
دعوة للتحقيق والمحاسبة
وأكد الهلال الأحمر الفلسطيني أن مشاركته في التحقيق جاءت انطلاقًا من مسؤوليته الإنسانية والقانونية في كشف الحقيقة، مشددًا على أن ما جرى يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، واستهدافًا مباشرًا لطواقم طبية محمية بموجب اتفاقيات جنيف.
وجددت الجمعية مطالبتها بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني ومنع الإفلات من العقاب.
