الرئيسية المركز الاعلامي مقالات استهداف رجال الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة من منظور القانون الدولي للنزاع المسلح

استهداف رجال الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة من منظور القانون الدولي للنزاع المسلح

توقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي استمر إثنين وعشرين يوماً، وتبين مع إنتهائها المعاناة الإنسانية التي عاشها المدنيون الفلسطينيون، والدمار الذي حل بالبنية التحتية والممتلكات الخاصة والعامة. ولم ترحم آلة الحرب الإسرائيلية أحداً، ولم تسلم أي من الفئات المحمية أثناء الحروب من قبضة هذه الآلة. فقد استشهد أكثر من 1320 شهيداً، من بينهم 446 طفلاً و110 نساء و108 مسنين و14 فرداً من الطواقم الطبية و3 صحفيين، و230 شرطياً، ونحو 5450 جريحاً من بينهم 1855 طفلاً و795 إمرأة و24 جريحاً من الطواقم الطبية أصيبوا خلال العملية العسكرية.


ولم تسلم الممتلكات، بما فيها تلك التابعة للأمم المتحدة من الهجمات الإسرائيلية. فخلال العدوان دمرت آلة الحرب الإسرائيلية أكثر من عشرين ألف بيت، منها أربعة آلاف دمرت بشكل كامل، و16 ألف بشكل جزئي، بالإضافة إلى 1500 محل تجاري وورشة صناعية، و30 مسجداً، و120 جمعية خيرية، و60 مقراً للشرطة، و29 مؤسسة تعليمية، كما قصفت على الأقل أربع مدارس تابعة للأونروا، بداخلها مئات المدنيين الذين فروا من بيوتهم طلباً للحماية، فلاحقتهم قذائف الطائرات والدبابات الإسرائيلية، لتقتل وتجرح المئات منهم.


إن إستهداف المدنيين والممتلكات، التي يحظر إستهدافها على نحو لا تقتضيه ضرورة حربية ملحة يشكل مخالفة جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني، وهي بمثابة جرائم حرب يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي، وقضاء الدول التي تمارس محاكمها إختصاصاً جنائياً عالمياً. لكن ماذا عن إستهداف إسرائيل لأفراد الشرطة الفلسطينية، خصوصاً في اليوم الأول من العدوان، هل هذا الفعل مشروع حسب القانون الدولي للنزاع المسلح أم غير مشروع؟ وهنا سأحاول أن أبين مدى قانونية إستهداف إسرائيل، كقوة إحتلال حربي، أفراد الشرطة الفلسطينية.


إن توقيت الغارات الإسرائيلية في اليوم الأول، في ساعة الظهيرة، والمواطنون في وظائفهم، والأطفال خارجون من مدارسهم، والناس في الشوارع، ورجال الشرطة الساهرين على حفظ الامن العام في مواقعهم الكائنة في المناطق المدنية والسكنية، ما هو إلا عمل مدروس ومخطط له من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي، لقتل وجرح أكبر عدد ممكن من المدنيين. وهنا أشدد على كلمة مدنيين، فضلاً عن تعمد بث الذعر والرعب في نفوسهم وإرهابهم.


إن الأرض الفلسطينية هي أرض محتلة، بما فيها قطاع غزة، وعلية، فإن الصفة القانونية للمواطنين فيها هي انهم مدنيون، بما فيهم أفراد الشرطة، ما داموا غير مشاركين في أعمال قتالية تضر بالخصم. وفي حال ثبوت مشاركتهم في أعمال قتالية ضده، فإن الحماية المقررة لهم تعلّق على مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور. وهنا تبرز نقطة مهمة، وهي أن إستهداف الإنسان المدني يكون فقط عند إشتراكه المباشر في العمليات العسكرية، خلافاً لإستهداف المحارب بوصفه القانوني، الذي يكون عرضة للهجوم طيلة فترة الحرب، ما لم يصبح من الفئات المحمية، كأن يصاب أو يمرض أو يقع في قبضة العدو كأسير حرب.


لكن القانون الدولي للنزاع المسلح، أو ما يعرف أيضاً بالقانون الدولي الإنساني، لم يعرف وضعية الإشتراك المباشر في العمليات القتالية. فالفقرة (3) من المادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، أكدت على تمتع المدنيين بالحماية التي وفرها القسم الرابع من البروتوكول. طبعاً بالإضافة إلى إتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب، ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية، وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور.


من هنا نستنتج أن هناك ثلاثة عناصر أساسية يجب أن توفر لكي ترفع الحماية عن شخص مدني. اولاً: يجب أن يكون له دور حربي مباشر، أي الإشتراك المباشر في العمليات القتالية، وهذا له علاقة بالسلوك، وبأي تصرف ذي تأثير مباشر على حياة، وعتاد، ومنشآت العدو، بحيث تشكل خطراً مباشراً وآنياً عليه. ثانياً: عنصر المكان، ويقصد به منطقة الإشتباك، أو منطقة النشاط في الجهد العسكري. وثالثاً: عنصر الوقت، بمعنى أن المدني المشارك في العمليات العسكرية يصبح معرضاً للإستهداف على مدى الوقت الذي يقوم به بذلك الدور. أي أن الإطار الزمني هنا يبدأ بإنتشار الشخص المدني استعداداً للهجوم وينتهي بانسحابه من منطقة الأعمال العدائية.


وبإعتقادي أن الفقرة (3) من المادة (51) من البروتوكول الإضافي الأول، كان المراد بها تحديد مفهوم الإشتراك المباشر في إطار المفهوم الضيق للإشتراك، مثل تنفيذ عمل عسكري، أو نقل عتاد، أو خلال التنقل من وإلى المواقع القتالية؟ وطيلة فترة المشاركة فقط، وذلك حفاظأ على مبدأ التمييز وحماية المدنيين. وبالإستناد إلى تفسير تلك الفقرة، فقد ربط موضوع فقدان الحماية بفترة معينة تتعلق بالسلوك نفسة، وهو الإشتراك المباشر، على أن تعود تلك الحماية لذلك الشخص حال توقفه عن الإشتراك المباشر في العمليات العسكرية، وإلا فلماذا لم تنص الفقرة على فقدان المدني المشارك في العمليات العسكرية وضعه كمدني ونصت على فقدان حقه في الحماية كمدني فحسب، ولماذا لم تعتبره مقاتلاً، ما يحوله إلى هدف مشروع طيلة فترة النزاع، وأبقت على وضعة كمدني، ولماذا حددت وقت المشاركة، علماً أن المحارب هو هدف مشروع طيلة فترة النزاع وعليه فإن إستهداف المحارب، مثل الجندي المنتمي لجيش نظامي في دولة ما، يكون بالأساس بسبب وضعه كمحارب وليس لسلوكه. أما المدني المشارك في العمليات القتالية، فإن إستهدافه يكون بسبب سلوكه وليس بسبب وضعه.


وهنا أتساءل، هل أفراد أجهزة الشرطة، الذين سقطوا في العمليات العسكرية الإسرائيلية في اليوم الأول، بصفتهم القانونية، هم مدنيون أو محاربون، هل كان لهم دور مباشر في العمليات العسكرية ساعة وقوع الغارة الجوية، هل كان لهم دور مباشر أو غير مباشر في إطلاق الصواريخ من القطاع على الأراضي الإسرائيلية، وهل كانوا في منطقة إشتباك؟ وعليه هل هم هدف مشروع إن مهمة أفراد الشرطة الفلسطينية هي مهمة مدنية، وبالتالي ولا ينطبق عليهم وصف المحارب، حسب التعريف الدولي له. ومهمتهم تتمثل في حفظ الأمن العام. وهذا الدور لا علاقة له بالمشاركة في العمليات العسكرية، لذا هم مدنيون محميون، بغض النظر عن إنتمائهم السياسي، ولا يجوز أن يكونوا هدفاً لأي هجوم، لأنهم محسوبون على هذا الفصيل أو ذاك، طالما لم يشتركوا في العمليات العسكرية. وقد أكدت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، أن أفراد الشرطة المدنيين لا يفقدون وضعهم هذا.


إن إستهداف إسرائيل للمدنيين الفلسطينيين، ومن ضمنهم أفراد الشرطة، لا يمكن إلا ان تكون جريمة حرب، يعاقب عليها القانون الجنائي في كثير من الدول، ومنها الدول الأوروبية، بالإضافة إلى القانون الجنائي الدولي. لكن تقاعس الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، ومنظمة الأمم المتحدة راعية الأمن والسلم العالميين، وصمتهم غير المبرّر بوجه الانتهاكات وجرائم الحرب الإسرائيلية، وتجاهلهم لمطلب الحماية الدولية، والتدخل لرفع معاناة السكان المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، قد ساهم في رفع حدة الانتهاكات الإسرائيلية، ولامبالاة دولة الاحتلال الإسرائيلي وتجاهلها الكلي لقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني.


أعتقد أن الدول والمنظمات الدولية ستكون عاجزة عن القيام بالملاحقة القضائية للمسؤولين الإسرائيليين، لأن من عجز على وقف العدوان رغم كل ما شاهده من قتل للأبرياء، وآلام لا مبرر لها، وعدم الإكتراث للكرامة الإنسانية، وتدمير عشوائي للممتلكات المدنية والعامة، وإستخدام القوة المفرطة وأسلحة محرمة على المدنيين، لن يمتلك العزيمة والإرادة لمعاقبة المسؤولين على جرائمهم. وعليه، فإن الدور الآن يقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني، وبالأخص مؤسسات حقوق الإنسان، التي صرفت ملايين الدولارات على برامج النشر والتوعية في مجالات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، لتفعيل أجهزتها التنفيذية والقضائية لمتابعة ما إقترفته إسرائيل من جرائم في غزة، ولتبين للعالم أنها تستطيع عمل ما لم تستطع عليه الدول والمنظمات الدولية، المأسورة للمصالح الدولية، وأنها جادة في ما أعلنته وتعلنه بشأن ضرورة محاسبة من يقترف الجرائم زمن الحروب.


وما يبعث الأمل أن هناك سوابق لمثل هذه المؤسسات إستطاعت عمل شيء في هكذا قضايا. فعندما قررت منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية اللجوء إلى القضاء الدولي بعدما أعيتهم الحيلة مع المحكمة الإسرائيلية العليا لمحاكمة المسؤولين في جريمة حي الدرج عام 2002، التي إستهدفت فيها إسرائيل الشهيد صلاح شحادة والعشرات من الشهداء في هذه العملية، من بينهم 14 طفلاً، استجاب القضاء البريطاني، وكانت النتيجة إصدار أمر إعتقال بحق عدد من المتورطين في هذه الجريمة. وعندما وصل أحدهم إلى لندن، لزم طائرته وامتنع عن النزول وعاد على متنها من حيث جاء. ونأمل من الدول العربية أن تبادر الى فتح ولاية قضائها، على غرار العديد من الدول الأوروبية، للنظر في جرائم الحرب التي وقعت في قطاع غزة.


وعلينا أن نساعد أنفسنا أولاً قبل أن يساعدنا الغير. ومن هذا المنطلق على الفلسطينيين أن يعملوا بجد منذ الآن على توثيق الجرائم بشكل محكم، والعمل على المتابعة القضائية للمسؤولين عن إقتراف تلك الجرائم، بالتعاون مع المؤسسات الحقوقية العربية والدولية، التي بإمكانها أن تساند الفلسطينيين عبر برامج مخصصة لتوثيق الإنتهاكات ومتابعتها قضائياً، وأن لا تكون مئات التصريحات، التي سمعناها هنا وهناك بشأن العمل على المتابعة القضائية للجرائم الإسرائيلية، مجرد كلام للإعلام، لا يغني ولا يسمن من جوع. وعلية يجب أن يكون العمل منظماً ومخططاً له، بحيث توضع البرامج والمشاريع والأهداف والنتائج والموارد المالية والبشرية مسبقاً. ولتعلم إسرائيل أنه تقع على جنودها مسؤولية جنائية، إضافة الى مسؤوليتها عن التعويض المادي والعيني لما ارتكبته من جرائم، التي لا تتقادم مع الزمن، ولن يضيع حق وراءه مطالب.