الرئيسية المركز الاعلامي مقالات الاعتقال الاداري في ضوء احكام القانون الدولي

الاعتقال الاداري في ضوء احكام القانون الدولي

رزق شقير
مختص في القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان

هناك حوالي 360 شخصاً يخضعون للاعتقال الاداري موزعين على عدة سجون ومعتقلات اسرائيلية. وقد خاضوا اضرابا مفتوحا عن الطعام انتهى بتاريخ 24/6/2014 بعد ان استمر 64 يوماً مطالبين بإلغاء وقف سياسة الاعتقال الاداري واطلاق سراحهم. وهنا سوف نسلط الضوء على الاعتقال الاداري من حيث المفهوم والسلوك الاسرائيلي المتبع اجرائياً وتشريعياً وموقف القانون الدولي منه.


يوصف الاعتقال الاداري بأنه اعتقال او احتجاز احترازي لأشخاص دون ادانة او محاكمة بأمر صادر عن القيادة العسكرية لفترة ستة أشهر قابلة للتجديد الى اجل غير معلوم. وعادة يتم التجديد في الساعات او اللحظات الاخيرة من مدة انتهاء امر الاعتقال الاداري، بمعنى ان المعتقل الاداري لا يعرف حتى اللحظة الاخيرة اذا كان سيطلق سراحه او يتم التجديد له، أي يبقى تحت هاجس التجديد وحالة من التوتر النفسي، وهي السمة المميزة لهذا النوع من الاعتقال مقارنة بغيره من الاعتقالات. وفي عدد من الحالات، تم اعادة اعتقال الاشخاص المفرج عنهم بعد ساعات قليلة من اخلائهم وقبل ان يتمكنوا من الوصول الى منازلهم، كما هو الحال مع كل من رائد طوالبة وفضل حمودة وعبد الهادي طه.


يمنح نظام الحكم العسكري للمحتل الاسرائيلي صلاحيات تنفيذية لقادة عسكريين برتب معينة، من ضمنه، اصدار اوامر بالاعتقال الاداري بحق اشخاص بدعوى أنهم يشكلون خطراً على النظام العام او مصالح دولة الاحتلال. وهؤلاء هم بالعادة إما قائد المنطقة الجنوبية عندما يتعلق الموضوع بأشخاص من قطاع غزة او قائد المنطقة الوسطى عندما يتعلق الأمر بأشخاص من الضفة الغربية، علماً أن اسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة مقسمة الى ثلاث مناطق من الناحية العسكرية هي: المنطقة الشمالية والمنطقة الوسطى والمنطقة الجنوبية.

 

خلفية تاريخية
اللجوء الى الاعتقال الاداري من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي ليس بالسلوك الجديد، انه سلوك قديم يعود الى بداية الاحتلال في حزيران عام 1967. وقد تم اللجوء اليه على نحو مكثف خلال فترات معينة من سنوات الاحتلال الطويل. وعلى سبيل المثال، بلغ عدد المعتقلين الاداريين 1131 حتى العام 1970 . وفي الفترة بين عام 1970 وحتى عام 1979، خضع للاعتقال الاداري 920 شخص ، وتقلص هذا العدد في العام 1981 الى 81 شخصاً بفعل الضغط الدولي آنذاك، بما في ذلك الجهود التي بذلها الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر في اعقاب التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية- الاسرائيلية.

 

لكن وفي الفترة التي اعقبت اعتماد سلطات الاحتلال ما عرف بسياسة " القبضة الحديدية" في العام 1985، أعادت دولة الاحتلال العمل بهذا الاجراء، بحيث خضع له 316 شخصاً في الفترة الواقعة بين شهر آب 1985 وشهر كانون اول 1987، أي بدء الانتفاضة الاولى ( 1987- 1993) التي شهدت استخداماً مكثفاً لهذا الاجراء، بحيث شمل الاف الفلسطينيين الذين كان يصعب حصرهم. وقد اعترفت سلطات الاحتلال ذاتها أنها فرضت الاعتقال الاداري خلال تلك الفترة على 4000 شخص من بين 18000 جرى اعتقالهم في عام الانتفاضة الأول، وارتفع هذا العدد الى 10000 من أصل 50000 جرى اعتقالهم في العام الثاني للانتفاضة.



الأوامر العسكرية بشأن الاعتقال الاداري
جرى اللجوء للاعتقال الاداري أبان الانتداب البريطاني على فلسطين بالاستناد الى المادتين 108 و 111 من انظمة الدفاع (الطوارىء) لعام 1945. لقد خوُلت هذه الأنظمة القائد العسكري صلاحية اصدار أمر اعتقال اداري دون مدة محددة او قواعد اثبات او تقييد لصلاحيات القائد. علماً ان هذه الأنظمة قد تم ابطالها ضمنياً عشية إنتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في العام 1948، ولم تكن جزءاً من القانون النافذ في الضفة الغربية في حقبة الحكم الاردني. ورغم ذلك، أصرت سلطات الاحتلال على استخدام هذه الانظمة بإعتبارها جزءاً من القانون المحلي.


على أي حال، تم تضمين هذه الأنظمة في التشريعات العسكرية للمحتل الاسرائيلي. وعلى هذا الاساس، يعتبر الأمر العسكري رقم 378 ( المادتان 84 أ و 87) بشأن تعليمات الامن والاوامر اللاحقة المعدلة، الأساس القانوني الذي ينظم موضوع الاعتقال الاداري.


وفيما كانت صلاحية إصدار امر الاعتقال الاداري قبل الانتفاضة الاولى بيد القائد العسكري للضفة الغربية او قطاع غزة، طرأ تغيير هام بفعل الامر العسكري رقم 1229 لعام 1988 والامر العسكري 1466( 6 حزيران 1999) عندما انيطت هذه الصلاحية بضباط اقل مرتبة. كما ان الامر العسكري رقم 1281 (4 آب 1989) فسح المجال لان تكون فترة أمر الاعتقال الاداري الواحد لمدة سنة بدلا من ستة أشهر.

 

ومن جهة أخرى، وضعت الاوامر العسكرية نظاما للمراجعة الاجرائية لأوامر الاعتقال الاداري، أقل ما يمكن وصفه بأنه جعل من المتعذر على المعتقل التحدي بفعالية الاعتقال الاداري. ومع أن اجراءات المراجعة قد خضعت لسلسلة من التعديلات الا ان جوهرها بقي على حاله، ذلك انها لم تمس صلاحيات القائد العسكري او جوهر الاعتقال الاداري نفسه.


ولتوضيح ذلك، من المفيد ذكر انه قبل العام 1980، كان متاحا للمعتقل الاستئناف لدى لجنة استشارية ذات صلاحيات محدودة، حيث يقتصر دورها على رفع التوصيات للقائد العسكري صاحب الصلاحية في رفض او قبول هذه التوصيات. ويمكن للمعتقل ان يتوجه الى محكمة العدل العليا الاسرائيلية التي ليس من اختصاصها فحص جوهر أمر الاعتقال الاداري وانما مراجعة الجوانب الاجرائية المتعلقة فيه فقط.


تقضي اجراءات المراجعة بأن يمثل المعتقل امام قاض عسكري لمراجعة أمر الاعتقال خلال 18 يوماً من تاريخ الاعتقال ( الأمر العسكري 1503، 1 أيار 2002). وهذه المدة جرى تعديلها أكثر من مرة، حيث كانت 4 أيام ثم تغيرت الى 8 أيام ثم الى 10 أيام الى ان استقرت على 18 يوماً. يجدر الاشارة الى ان أي قائد عسكري او مسؤول شرطة يستطيع وفقا للأمر العسكري 1500 ( 5 نيسان 2002) اصدار أمر اعتقال عادي لفترة تصل الى 18 يوماً لأغراض التحقيق في غياب أي مراجعة قضائية. وفي مثل هذه الحالة، يستطيع القائد العسكري بداية إصدار أمر بإعتقال عادي ثم يقوم باليوم الثامن عشر اصدار أمر بالاعتقال الاداري . وعليه، من الممكن اعتقال شخص دوان اية مراجعة قضائية لفترة 36 يوماً، طبعا بصرف النظر عن مدى قانونية وفعالية نظام القضاء العسكري الاسرائيلي.

 

من الواضح، ان الغرض هو ابداء مرونة في صالح القائد العسكري وليس المعتقل. يملك القائد العسكري صلاحية المصادقة على امر الاعتقال الاداري كما هو او تخفيض فترته او الغائه. وفي حال عدم القيام بالمراجعة القضائية المذكورة، فانه يتوجب اخلاء سبيل المعتقل ما لم يكن هناك سبباً أمنيا آخراً يحول دون ذلك ( الأمر العسكري 1446، 6 حزيران 1999) . وطبقا لهذا الأمر العسكري والاوامر الأخرى ذات العلاقة، يتم الغاء امر الاعتقال الاداري اذا تبين للقاضي ان سبب الاعتقال لم يكن لدواعي امنية ملحة او انه لم يكن بحسن نية او لأسباب موضوعية. وتفرض هذه الاوامر العسكرية، في حال المصادقة على امر الاعتقال الاداري وتثبيته، ان تجري عملية مراجعة أخرى من قبل قاض عسكري خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ المصادقة عليه، ويتم هذا دواليك مرة كل ثلاثة أشهر.

 

علاوة على ذلك، يمكن لكل من القائد العسكري او المعتقل استئناف قرار المراجعة امام محكمة الاستئناف العسكرية التي جرى تنظيمها بالأمر العسكري رقم 378. وفي حال ان قرر قاضي المراجعة الغاء أمر الاعتقال الاداري او تخفيض فترته، وأبدى الادعاء العسكري رغبته في استئناف هذا القرار، فإن القاضي يرجىء اخلاء سبيل المعتقل لفترة 72 ساعة (المادة 5 من الأمر 1466).أما اذا استأنفت النيابة العسكرية بالفعل، فإن للقاضي الصلاحية في تأخير اخلاء سبيل المعتقل الى حين صدور قرار الاستئناف ( المادة 5 ب من الأمر العسكري 1466). كما يمكن إرجاء اخلاء السبيل لفترة 72 ساعة بناء على طلب من ممثل النيابة العسكرية لسبب معين على ان يتم تدوين ذلك السبب من قبل القاضي. طبيعة هذا السبب لم يتم توضيحه وتُرك لرغبة ممثل القائد العسكري اي الادعاء العسكري.

 

بالاضافة الى ذلك، فإن اجراءات المراجعة تستند الى " بينة سرية " لا يتم الافصاح عنها امام المعتقل او محاميه او حتى هيئة الاستئناف اذا اقتنعت الهيئة ان كشفها قد يلحق الأذى بأمن المنطقة او المصلحة العامة ( الأمر العسكري 1311، 30 تموز 1990). بدون شك، تخالف هذه الممارسة المبادىء الاساسية لقواعد الاثبات.

 

من المفيد التنويه ان الأمر العسكري 1503 ( 1 أيار 2002 ) منح نظام القضاء العسكري مهلة عشرة أيام للانتهاء من المراجعة القضائية لكافة أوامر الاعتقال التي صدرت دون ان يتم مراجعتها خلال الفترة المنصوص عليها. وقد جاء هذا الأمر في الحقيقة ليمنع اخلاء سبيل المعتقلين الذين لم يتم مراجعة اوامر اعتقالهم ضمن الفترة التي نصت عليها الاوامر السابقة والتي استقرت على 18 يوماً، خاصة وان تلك الفترة شهدت اعتقال الألاف اعتقالا اداريا مما حال دون اجراء مراجعة قضائية لكل واحد منهم على النحو المشروح أعلاه. وهذا مثال يوضح المدى الذي ذهب اليه المشرع العسكري في تكريس جهوده لملء اية فجوة يمكن للمعتقل ان ينفذ من خلالها للطعن بأمر اعتقاله، وفي تكييف الأوامر العسكرية لتلائم الاحتياجات المستجدة للاحتلال العسكري بغض النظر عن مدى مجاراتها للمعايير الدنيا للقانون الدولي.

 

الاعتقال الاداري في القانون الدولي
أجازت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنيين وقت الحرب للقوة المحتلة لأسباب امنية قهرية، اللجوء الى تدابير امنية اقصاها الاقامة الجبرية والاعتقال بحق اشخاص محميين – التعبير المستخدم في الاتفاقية للدلالة على سكان الاقليم المحتل. بمعنى، ان القانون الدولي الانساني اجاز الاعتقال الاداري لدواع امنية قاهرة وليس كوسيلة عقابية، ووفق شروط وضوابط معينة تتعلق اساسا بتوفير متطلبات المحاكمة العادلة والمراجعة القضائية النزيهة. وعلى النقيض من ذلك، استخدمت سلطات الاحتلال الاسرائيلي الاعتقال الاداري في اغلب الحالات عشوائيا وكعقوبة.

 

من المفيد التنويه انه في حالة ان اشتملت تدابير القوة المحتلة احتجاز شخص ما وادى ذلك الى عدم مقدرته على اعالة نفسه، فإنه يتوجب عليها، طبقا للمادة 39 من جنيف الرابعة التكفل بإحتياجاته واحتياجات الاشخاص الذين يعيلهم. و يكون احتجاز المعتقلين داخل الاقليم المحتل. وما من شك، ان سلطات الاحتلال الاسرائيلي تخالف هذين الشرطين.

 

وعلاوة على ذلك، فإن قانون حقوق الانسان، وبشكل خاص الاعلان العالمي لحقوق الانسان ( المادتان 10 و 11) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ( المادتان 9 و 14 ) قد ضمن حق المعتقل في المحاكمة العادلة وفي اخضاع اعتقاله لمراجعة قضائية حقيقية لمنع الاعتقال التعسفي. وكما اوضحنا اعلاه، فإن اجراءات المراجعة القضائية الاسرائيلية للاعتقال الاداري لا تف بمتطلبات قواعد العدالة والمحاكمة العادلة.

 

وبالتالي، فإن سلطات الاحتلال لا تلجأ للاعتقال الاداري بما يتسق وقانون حقوق الانسان واحكام القانون الدولي الانساني الناظمة لسلوك القوة المحتلة، مما يجعله سلوكا تعسفيا غير مشروع يقتضي من المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية ذات العلاقة اتخاذ تدابير فعالة لوقفه.

انتهى.