Widget by:
الرئيسية المركز الاعلامي مقالات شهادات من الميدان

شهادات من الميدان

بقلم رائد النمس:

جنود مجهولون يبذلون اقصى ما في وسعهم لإنقاذ المرضى والجرحى، مشاعرهم تختلط بين الفرح والحزن، فرحا بإنقاذهم احد المستغيثين، وحزنا بفقدان احدهم.

 

انهم رجال الاسعاف والطوارئ العاملون في جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني.. هذه السواعد القوية هي من تساهم على الدوام بالتخفيف من الالام ونقل المرضى والمصابين الى بر الامان، وهؤلاء الانسانيون الذين يعملون بصمت، لديهم ايضا مشاعر تنتفض، وقلوب تنقبض لهول ما يشاهدونه خلال عملهم الانساني، وخلف وجوههم تكمن مشاعر وذكريات، يتألمون من اجلها، وتعتصر قلوبهم .

 

ضابط الاسعاف صابر عوض (42 عاما) يصف احدى اللحظات الصعبة في عمله بقوله: "خلال توجهي برفقة زملائي الى منطقة عزبة عبد ربه الواقعة شمال غزة في العام 2008 بعد تعرضها للقصف الاسرائيلي، تمكنا من اخلاء بعض المصابين من العائلات في تلك المنطقة، ولقد كان المصابون في كل مكان، وكانت اعمدة الدخان تتصاعد الى السماء، وسط منظر قاتم كان به عشرات المصابين، لمحت طفلة كانت تبلغ من العمر اربعة اعوام، كانت مصابة بعدة شظايا في ظهرها ويحملها احد المواطنين وهي تئن بصوت خافت من شدة الالم. لن انسى تلك اللحظات القاسية التي عشتها خلال احتضاني لها، وانا اركض بها وكأنني اسابق الزمن. لقد شعرت بآلامها تخترق صدري، ركبنا سيارة الاسعاف وهي تنظر في عيني بصمت، وكأنها تطلب مني مساعدتها.. كانت تنزف دما وانا انزف دمعا، امسكت بيدها الصغيرة، محاولا طمأنتها، الا انني كنت انا الخائف والمرتجف، لم اكن اريد لهذه الطفلة ان تموت".

 

يضيف: " شعرت وانا احتضنها محاولا اسعافها، بارتباط كبير بها. كنت اخشى ان تفارق الحياة وهي بين يدي، نقلناها للمستشفى، وانطلقنا لمكان الحدث مجددا لنسعف وننقل المصابين الاخرين، ولكن عقلي كان مشوشا للغاية، وكنت لا ازال افكر في تلك الطفلة المصابة، انتهينا من العمل خلال ساعات، لأجد نفسي اتوجه الى المستشفى واسأل عنها بصوت مرتجف، فعلمت بانه تم ادخالها الى غرفة الانعاش وحالتها لا زالت خطيرة، مرت ايام قليلة وصورة وجهها المتألم ونظراتها المتوسلة لا زالت لا تفارق خيالي، توجهت مجددا للمستشفى وسألت موظف الاستقبال عنها، ليقول لي بانها تماثلت للشفاء وبدأت تتحسن تدريجيا، الا انها اصيبت بشلل، لان اصابتها كانت في العمود الفقري، اتذكر جيدا بانني بكيت طويلا، ربما لأنها ما زالت طفلة، وربما لأنني تأثرت عندما كانت تمسك بقميصي اثناء نقلها للمستشفى، تستغيث بي، لن انسى وجه هذه الطفلة طوال حياتي".

 

اما المسعف احمد المدهون، (26 عاما)، فقال عندما تلقى مركز اسعاف غزة بلاغا بوجود حادث طرق جنوب مدينة غزة، "فور تلقينا للبلاغ توجهنا مسرعين لمكان الحدث، لنتبين بان احدى السيارات قد صدمت طفلا حال خروجه من الحضانة. وعندما وصلت الى مكان الحادث كان الطفل المصاب ملقى على الارض، وحقيبته ملقاه الى جانبه، وقد تناثرت منها ادواته الدراسية.. لقد كان منظرا رهيبا تقشعر له الابدان، خاصة وان الطفل كان يرتدي زي الروضة، الذي يشبه الزي الخاص بابني، والذي كان بنفس عمره.. للحظات تشوشت الرؤية امام عيني، وشعرت بانني اقف امام ابني وهو بملابس الروضة وحقيبته الدراسية، اختلطت مشاعري، فهرعت لإنعاش قلبه ورئتيه، واضعا يدي على مكان الاصابة لأوقف الدم الذي كان يسيل بغزارة".

 

يتنهد المدهون قليلا ثم يضيف بصوت خافت: "توجهنا به على وجه السرعة للمستشفى، ولكنه كان قد لفظ انفاسه الاخيرة وهو بين ذراعي، فتلطخ قميصي بدمائه الحارة، وانهارت دموعي دون وعي، فقد كنت اشعر بان ابني هو الذي ينزف بين يدي، وبدأت بلا وعي اصرخ على الأطباء، لكي يحاولوا انقاذ حياته، ولكن دون جدوى فقد فارق الطفل الحياة، وسط حزن عميق لا استطيع ان اصفه لكم".

 

هذه المواقف وغيرها هي جزء مما يعانيه ضباط الاسعاف والطوارئ من جراء مشاهد أليمة، فهم الى جانب صراعهم مع الوقت لكي يصلوا الى المصابين، فانهم ايضا يخوضون صراعا اخرا مع مشاعرهم وقلوبهم التي تشاهد احداثا صعبة تحتاج لقوة اضافية. لقد اثبت ضباط الاسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني، بانهم على قدر عال من المسؤولية والكفاءة، رغم كل ما تعرضوا له.. فكل التحية لمن يبلسمون جراحنا بعيون صامتة وقلوب خافقة.