الرئيسية المركز الاعلامي قصص انسانية د. عزمي الأسطل يروي تفاصيل عمله الإنساني في اليونان: الظروف الصعبة كانت حافزاً لنا دوما لمواصلة العمل الإنساني مع الاف اللاجئين

د. عزمي الأسطل يروي تفاصيل عمله الإنساني في اليونان: الظروف الصعبة كانت حافزاً لنا دوما لمواصلة العمل الإنساني مع الاف اللاجئين

 يمر العديد من المتطوعين العاملين في المجال الإنساني في اليونان بظروف صعبة واستثنائية على الصعيد النفسي نظرا لما يشاهدونه ويعيشونه مع آلاف اللاجئين السوريين الهاربين بسبب الأحداث في بلادهم، والذين يصلون إلى الأراضي اليونانية.

 

وقال د. عزمي الأسطل، مدير دائرة الدعم النفسي الاجتماعي في مقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في قطاع غزة عن تجربته في العمل جنباً إلى جنب مع الصليب الأحمر اليوناني لمساعدة آلاف اللاجئين الذين وصلوا إلى اليونان :"التقيت أثناء تواجدي في اليونان العديد من متطوعي الصليب الأحمر اليوناني العاملين من دون انقطاع بغية توفير المساعدة للمهاجرين الذين تقطعت بهم السبل ويعيشون أوضاعاً صعبة للغاية".

 

 وأضاف: "أدركت فوراً أن الألم يعتصر هؤلاء المتطوعين نظراً للتجارب المريرة التي عاشها المهاجرون والقصص التي رووها لهم مباشرة، إلاّ أن بعض المتطوعين كانوا يكبتون ألمهم كي يتسنى لهم مواصلة العمل، ولكن، ورغم كل شيء، كانت لدى جميعهم رغبة شديدة في مواصلة عملهم الإنساني يوماً بعد يوم".

 

وقال الاسطل: "في إطار عملي، استمعت أنا أيضاً إلى تجارب العديد من المهاجرين الذين وصلوا إلى الجزر اليونانية وقصوا عليّ تجاربهم المريرة. لقد تحدثت مع الكثير من الأشخاص وشعرت بالقنوط الذي يعتريهم، علماً بأن العديد منهم أبدى إعجابه بالمعاملة الحسنة التي لاقوها من العاملين والمتطوعين على حد سواء".

 

وأضاف: "رأيت آباء وأمهات يكادون لا يصدقون أنهم وصلوا إلى بر الأمان بعد رحلتهم المحفوفة بالمخاطر مع أسرهم عبر البحر وكان الأطفال يلتصقون بذويهم ويحاولون فهم ما يجري من حولهم، وكانوا يحاولون استعادة الشعور بالأمان من خلال النظر إلى الأشياء التي تحيط بهم والسعي لنسيان الجوع وملابسهم الممزقة والمبتلة وأحذيتهم الرطبة المغطاة بالوحل والطقس البارد".

 

وأشار إلى أن الصليب الأحمر اليوناني يوفر، بدعم من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، طائفة من الخدمات في مخيم "كارا تيب" الذي يعيش فيه مهاجرون من سوريا، بما فيها توزيع الملابس المستعملة النظيفة يومياً على الأسر التي تصل كل ليلة إلى المخيم.

 

وقال الاسطل: " بالإضافة إلى عملي في مجال الدعم النفسي الاجتماعي كنت أساعد متطوعي الصليب الأحمر المحليين في توزيع الملابس على من يحتاج إليها، وفي أحد الأيام الشديدة البرودة في بداية شهر كانون الثاني/يناير حيث كانت الرياح الباردة تعصف بالمخيم وتقتلع الخيام من أوتادها، كنت أشارك في عملية توزيع الملابس على الأسر التي كان العديد من أفرادها يرتجفون برداً بعد أن بللتهم المياه أثناء رحلتهم الطويلة".

 

 وأردف: "لفتت أسرة من ستة أفراد اهتمامي، إذ جاءنا الوالدان وطلبا منا ملابس نظيفة لأطفالهما بينما وقف أحد هؤلاء الأطفال وهو فتى اسمه محمد في الثانية عشرة من عمره بعيداً بعض الشيء عن باقي أفراد الأسرة في حين حاول والداه عبثاً إيجاد ملابس على مقاسه، وفي هذه الأثناء، سار محمد مبتعداً عن أسرته بينما ظل والداه يبحثان عن ملابس لباقي أفراد العائلة".

 

وأضاف د. عزمي: "توجهت صوب محمد وعرضت عليه المساعدة، كنت أعرف أنه بحاجة إلى المساعدة حتى يغير ملابسه المبتلة وحذاءه الممزق، وكذلك لمعالجة سعاله الذي كنت أسمعه بوضوح، غير أنه قال لي: "لست بحاجة إلى ملابس، أنا على ما يرام".

 

وقال: "لم أستسلم وواصلت الحديث معه، أخبرني في نهاية المطاف أن اسمه محمد وبدأ يحدثني عن رحلة عبور البحر مع أسرته. قال لي إن الأسرة فقدت كل ملابسها عندما ملأت مياه الأمطار الغزيرة القارب، وأن متطوعين من الصليب الأحمر اليوناني أنقذوهم صباح ذلك اليوم وأنهم محظوظون لأنهم وصلوا إلى البر وهم على قيد الحياة. إنها تجربة مخيفة بالنسبة لأي شخص بالغ، فما بالك بالنسبة لطفل بعمر محمد".

 

وتابع: وبينما كنت أتحدث مع محمد، جاء والده وطلب منه أن يرافقه إلى نقطة توزيع الملابس لأن عدد الأشخاص الذين ينتظرون للحصول على ملابس قد قلّ. نظر إليّ محمد في تردد، ولكنني شجعته أنا ووالده وتوجهنا ثلاثتنا للبحث عن ملابس مناسبة له. وبينما كنا نبحث عن الملابس سألني والده كيف يمكن للأسرة أن تصل إلى أثينا من دون الصعود على متن قارب آخر، إذ إنهم باتوا يخافون من مواجهة البحر مجدداً بعد تجربتهم الأخيرة".

 

وواصل د. عزمي حديثه قائلا: "وأخيراً وبعد جهد جهيد وجدنا ملابس على مقاس محمد قبلها بابتسامة خجولة. وبينما وقفت أراقب الأسرة وهي عائدة إلى خيمتها، اشتدت الرياح الباردة وبدأ المطر يتساقط بغزارة. وظل صدى سعال محمد يتردد في ذهني لفترة طويلة بعد أن ابتعدت الأسرة، وكل مساء، بينما كنت أجلس قريباً من المدفئة محاولاً اتقاء البرد، كنت دائم التفكير بالأسر الموجودة في الخارج بملابسها المبتلة وهي تبحث عن الدفء والمأوى".

 

انتهى.