الرئيسية المركز الاعلامي قصص انسانية دلال التاجي

دلال التاجي

 بقلم: جين كالدر

انتُشلت دلال التاجي عندما كانت طفلة صغيرة من بين أنقاض مخيم للاّجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان في أواخر سبعينات القرن العشرين، بعد تعرضه لقصف إسرائيلي نُقلت إثره إلى العيادة المحلية لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني حيث تبيّن أنها ولدت مكفوفة. ولأن الاعتقاد ساد بأن القصف أودى بحياة أسرة دلال، فقد أُخذت الطفلة إلى مستشفى الأطفال التابع للجمعية والمحاذي لمستشفى عكا في مدينة بيروت ليصبح هذا المستشفى محل إقامة دلال وطفل آخر يتيم اسمه حمودة يعاني من شلل دماغي حاد.

 

التقيت دلال في شهر كانون الثاني/يناير 1981 عندما كانت نحو الخامسة أو السادسة من عمرهاً. كانت طفلة ذكية ملمة ببعض المفردات الإنجليزية التي تعلمتها من أشخاص أجانب أثناء زيارتهم لمرافق الجمعية (بالإضافة إلى اتقانها اللغة العربية بطبيعة الحال)، غير أنها تأخرت في اكتساب بعض مهارات العناية الذاتية، لأنها لم تجد من يعلمها إياها. كانت دلال قد التحقت للتو بمدرسة للأطفال المكفوفين في بيروت تديرها أسرة من جنوب أفريقيا لصالح منظمة دولية، وتوفر خدمة السكن الداخلي للتلاميذ خلال الأسبوع. أما في عطلة نهاية الأسبوع فكانت دلال تعود إلى مستشفى الأطفال التابع للجمعية. وقد أغدقت هذه الأسرة التي كانت إحدى بناتها معلمة دلال، الرفق والحنان على الأطفال واهتمت بدلال بشكل خاص، وساعدت على تنمية مهارات العناية الذاتية لديها.

 

وفي نهاية عام 1982 تعطلت الدراسة في بيروت نظراً للاجتياح الإسرائيلي والمجزرة التي أعقبته في مخيمي صبرا وشاتيلا، وتنقلت دلال وأربعة أطفال آخرين مقعدين (من بينهم حمودة) أثناء الاجتياح، بين أربعة أماكن مختلفة بحثاً عن الأمان. كنّا جميعاً في مستشفى عكا المقابل لمخيم شاتيلا لدى وقوع المجزرة، وكذلك عندما اقتحم بعض الرجال المشاركين في ارتكابها المستشفى واقتادوا منه عدداً من الأشخاص، بينما احتجزونا تحت تهديد السلاح. وفي نهاية المطاف استطاعت طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدخول إلى المستشفى، ونقلوني مع الأطفال وبعض الأشخاص الآخرين إلى مكان آمن.

 

ولكن المتاعب والصعاب لم تنته عند هذا الحد بالنسبة لدلال، إذ ظل الوضع غير مستقر واضطر كل المتطوعين الأجانب لمغادرة البلاد بعد أن رُفضت الطلبات التي قدموها للحصول على تأشيرات الاقامة في لبنان. وبخصوصي شخصياً كانت عملية مغادرتي للبنان شائكة بعض الشيء، فرغم أنني كنت أملك تصريح عمل رسميا فقد تم احتجازي عندما حاولت أن أجدد تصريح إقامتي في البلاد، وأُجبرت على المغادرة في غضون ثلاثة أيام.

 

واصلت بعد ذلك العمل مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وإنما من مدينة القاهرة، وبذلت الجمعية جهوداً جبارة بدعم من السفارة الأسترالية ومن منظمة إنقاذ الطفل البريطانية، حتى يتم نقل دلال وحمودة من بيروت إلى القاهرة، حيث أسستُ مركزاً للتأهيل تابعاً للجمعية في منطقة عين شمس. ومرّت سنة ونيّف قبل أن يتسنى لنا إصدار وثائق السفر الضرورية لهما. وخلال تلك الفترة، تعرّض مستشفى عكا، حيث كانا يقيمان، للقصف ما تسبب بمقتل وإصابة عدد من الأشخاص، من بينهم حمودة الذي أصيب بجروح خطيرة. أما دلال فلم تصب بجراح وإنما طالها الغبار ودم الضحايا وعانت من صدمة كبرى لم يتسن لها المشي مدة اسبوع، وهي لا تزال تسترجع حتى يومنا هذا صور ما حدث في ذلك اليوم. ونظراً لإغلاق مطار بيروت، اضطرت دلال وحمودة للسفر على متن سفينة من بيروت إلى قبرص ومن هناك استقلا الطائرة إلى مطار القاهرة حيث تم احتجازهما لمدة 16 ساعة إضافية رغم امتلاكهما لكل الوثائق والتأشيرات الضرورية.

 

وهكذا، انتقلت دلال للسكن في القاهرة ضمن دائرة خاصة تابعة للجمعية تجاور مركز التأهيل، ومثّلت السنوات الاثنتا عشرة التي أمضتها في القاهرة فترة حلوة التحقت أثناءها بمدرسة للتلميذات المكفوفات، واكتسبت العديد من الأصدقاء الجدد الذين لا تزال تتواصل معهم حتى يومنا هذا. كما تفوقت في دراستها فنالت نتيجة جيدة في امتحان الثانوية العامة، واستطاعت نمية حبها للموسيقى، فعزفت على الناي والبيانو وغنّت في إحدى الجوقات.

 

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1995، انتقلت دلال وحمودة وطفل آخر كان في رعاية الجمعية وعدد من موظفي المركز من القاهرة إلى مدينة خان يونس في قطاع غزة، حيث تأسست في فرع الجمعية هناك نواة لمركز تأهيل جديد. وجرى تحضير شقة قريبة من مبنى المركز الذي كان لا يزال قيد الإنشاء لنعيش فيها سوياً. كان العام الدراسي قد انتظم في معظم جامعات قطاع غزة، ما عدا في جامعة الأزهر التي تأخر بدء الدوام فيها، مما مكّن دلال من الالتحاق بدائرة الأدب الإنجليزي فيها. ولم يكن الأمر سهلاً في بادئ الأمر، إذ كانت دلال أول طالبة مكفوفة تلتحق بالجامعة، وفضّلت الدائرة أن تلتحق بتخصص آخر، إلاّ أنها أصرت على خيارها. ورغم الصعاب التي واجهتها في بادئ الأمر إلاّ أنها كوّنت، وبسرعة، عددا من الصداقات المتينة واكتسبت احترام أساتذتها. وتحب دلال اللغات وتهتم بها بشكل خاص، فبالإضافة إلى اتقانها اللغتين العربية والإنجليزية فإنها تتحدث وتكتب باللغة الفرنسية كما أن لديها بعض الالمام باللغة العبرية أيضاً.

 

وقامت الجمعية بتوظيف دلال فور تخرجها ونيلها شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي للعمل كمترجمة في مركزها في خان يونس. وفي عامي 2003 و2004، حصلت دلال على منحة دراسية من مؤسسة فورد مكنتها من الالتحاق بجامعة إدنبره في أسكوتلندا، حيث نالت شهادة الماجستير في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. وتدير دلال منذ عام 2005 دائرة التعليم المستمر في كلية تنمية القدرات الجامعية التابعة للجمعية، حيث تعمل على إعداد وتنظيم المساقات والمحاضرات الخاصة ببرنامج البكالوريوس في سياسات الدمج والحقوق والتشريعات ذات الصلة، ولغة بريل، كما تشارك في العديد من نشاطات الترجمة وغيرها، وتمثل الكلية في طائفة من اللجان، وقد زارت العديد من البلدان وشاركت في العديد من المؤتمرات والمشاريع.

 

وتطمح دلال حالياً لنيل شهادة الدكتوراه، غير أنها بحاجة لمنحة دراسية لتغطية تكاليف مشروع كهذا. وفي انتظار الحصول على هذه المنحة، تواصل دلال الإسهام، على نحو بارز، في تقدّم الكلية والمجتمع المحلي عموماً.